قصتي
قصتيبين الحرب والذاكرة والفن
الجذور الأولى والصراع
وُلدت عام 1978 في البصرة بالعراق، المدينة الواقعة في جنوب بلاد الرافدين. وقد أثّرت حضارات المنطقة القديمة تأثيرًا عميقًا في فهمي للفن والإنسان والتاريخ.
في عام 1980، وكنت في الثانية من عمري، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية. انتقلت عائلتي إلى شمال العراق، حيث قضيت جزءًا كبيرًا من طفولتي. وفي عام 1989، بعد انتهاء الحرب، عدنا إلى البصرة. لكن السلام لم يدم طويلًا؛ ففي عام 1990 غزا العراق الكويت، وتبع ذلك صراع مدمّر آخر.
حين أنظر إلى الوراء، أدرك أن طفولتي كلها تقريبًا، وكثيرًا من سنوات شبابي الأولى في العراق، مضت بين الحروب والقلق والاضطراب السياسي. لم تكن الحرب عند جيلي شيئًا نقرأ عنه في كتب التاريخ، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية، تشكّل فهمنا للبيت والأمان والحرية والمستقبل.
ومع ذلك، وحتى في تلك الظروف الصعبة، وجدت ما منح حياتي وجهتها: الفن.
الفن لغةً عالمية
في عام 1995 بدأت الدراسة في معهد الفنون الجميلة في البصرة. منحتني الدراسة هناك أساسًا متينًا في الفنون البصرية، وعمّقت التزامي بالنحت. وبعد التخرج واصلت دراستي في بغداد، حيث نلت شهادة البكالوريوس عام 2003.
صار النحت لغةً أفهم بها العالم من حولي. فتنني الجسد الإنساني، وقدرته على التعبير عن القوة والهشاشة، وكيف يمكن لإيماءة واحدة أن تعبّر عن مشاعر تعجز الكلمات عن الإمساك بها.
بعد إتمام دراستي بدأت التدريس في معهد للفنون الجميلة في بغداد. ومن عام 2003 حتى 2007 درّست الفن وواصلت في الوقت نفسه تطوير ممارستي الفنية. أتاح لي التدريس أن أشارك معرفتي مع الطلاب، لكنه عمّق أيضًا فهمي للفن بوصفه تواصلًا وانضباطًا وصلةً إنسانية.
ومع نموّي فنانًا، ازداد اهتمامي بالعلاقة بين الجسد الإنساني والقوى التي تشكّل حياتنا. وبدأت أرى الجسد لا شكلًا ماديًا فحسب، بل انعكاسًا للذاكرة والكفاح والحب والصلة والتوق إلى الحرية.

التهجير والتجدّد
في عام 2007 اتخذت واحدًا من أصعب قرارات حياتي: مغادرة العراق. لم يكن الانتقال إلى عمّان في الأردن بداية سهلة؛ فترك الوطن والمكان المألوف والطلاب والزملاء والحياة التي بنيتها جلب معه القلق وتحديات عاطفية. لكنني حملت طموحاتي الفنية معي، عازمًا على ألّا أتخلى عن الطريق الذي اخترته.
صار الأردن فصلًا مهمًا في تطوري الفني. ورغم صعوبات البدء من جديد، واصلت الإبداع وعرض أعمالي. ومن أعمق إنجازات تلك المرحلة معرضي الفردي «شيفرات النحت واستمراريتها» في غاليري فورسايت في عمّان (2009–2010). لم يكن مجرد محطة مهنية؛ بل كان عندي تأكيدًا أن الفن يمكن أن يواصل النمو حتى في مواجهة التهجير والقلق.
في عام 2010 انتقلت إلى الولايات المتحدة، وبدأت فصلًا آخر من حياتي في منطقة خليج سان فرانسيسكو. هنا التقيت بمنظورات فنية ومواد وفرص جديدة. وواصلت تعليمي حتى نلت ماجستير الفنون الجميلة في النحت من جامعة أكاديمية الفنون في سان فرانسيسكو.
البيت والذاكرة والانتماء
غيّر العيش بين ثقافات مختلفة فهمي للهوية والانتماء شيئًا فشيئًا. لم أعد أرى البيت مكانًا جغرافيًا فحسب، بل شيئًا نحمله في داخلنا: في ذكرياتنا وعلاقاتنا وتجاربنا والصلات التي ننسجها مع الآخرين.
هذه الفلسفة في صميم ممارستي الفنية اليوم. فمنحوتاتي كثيرًا ما تجمع الأجساد الإنسانية، موازنةً بين القوة والكبح، والقرب والانفصال، والثبات والرغبة في الحركة. وفي رسومي يتقاطع الجسد الإنساني مع المناظر الطبيعية والهياكل المعمارية والتكوينات المجردة، في إشارة إلى العلاقة المعقدة بين الأفراد والعوالم التي يسكنونها.
ويعكس عملي بالبرونز والورق والكرتون وغيرها إيماني بأن القيمة المادية للخامة لا تحدد قوتها التعبيرية. فالتحوّل يبدأ بالخيال، وبالقدرة على رؤية الإمكانات فيما هو موجود من حولنا أصلًا.
الخامة والشكل والذاكرة
يبقى الإرث الفني لبلاد الرافدين القديمة جزءًا مهمًا من لغتي البصرية، فيما تواصل حياتي في كاليفورنيا تقديم منظورات جديدة. ولا ينفصل هذان العالمان في مخيلتي؛ بل يتعايشان، ويؤثران في الأشكال والأفكار والمشاعر التي تولد في عملي.
بعد عمر شكّلته الصراعات والتهجير والتدريس وإعادة البناء، صرت أؤمن بأن الفن لا يقتصر على صنع الأشياء؛ إنه فهمٌ لمعنى أن تكون إنسانًا.
لا أستطيع أن أغيّر التاريخ الذي عشته، لكنني أستطيع بالفن أن أحوّل تلك التجارب إلى شيء يتحدث عن الصلة والصمود والأمل.
النحت عندي ليس مجرد عمل أقوم به؛ إنه طريقتي في فهم العالم، وفي حفظ الذاكرة، وفي مشاركة المعرفة، وفي المضيّ قدمًا.
مشعل أثيرمنطقة خليج سان فرانسيسكو، كاليفورنيا